عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

44

معارج التفكر ودقائق التدبر

لقد ثبت على أكثرهم قول اللّه المحدّد لأنظمة النّفس الإنسانيّة ، المتضمّن أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ أسير جوامحه من الأهواء والشهوات ، والكبر وحبّ العلوّ في الأرض ، والرّغبة في الفجور ، فإنّه لا يؤمن بالجزاء الرّبّاني ، ولا يؤمن بيوم الدّين ، لئلّا يلجم جوامحه عن مطالبها ورغباتها ، مهما توالت عليه الآيات البيّنات ، والحجج والبراهين الواضحات ، ومهما تتابعت عليه الإنذارات . وثبت على أكثرهم قول اللّه هذا ، بأنّهم لن يؤمنوا مستقبلا ، مهما وجّهت لهم وسائل العلاج الإقناعيّ والترغيبيّ والترهيبي ، وبأنّ مصيرهم إلى عذاب جهنّم ، فحالة نفوسهم حالة ميؤوس منها ، ولو منحوا أزمان إمهال طويلة الأجل . لكن ما دام فيهم العدد الأقلّ قابلين لأن يؤمنوا مستقبلا ، ولم يصلوا إلى حالة ميؤوس منها ، فإنّ حكمة اللّه عزّ وجلّ تقتضي عدم إهلاكهم إهلاكا جماعيا عامّا . كما أهلك الّذين أهلكهم من كفار القرون السّالفة ، من أمم المرسلين السّابقين . عبارة : حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ تكرّر في القرآن المجيد نظيرها ، فمنها ما يلي : * . . . فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) الإسراء / 17 . * . . . وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) السجدة / 32 . * فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ( 31 ) الصافات / 37 . * . . . وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 ) فصلت / 41 .